إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم


                                         

في رحيل المسيري: واستئناف دور فلسفي عربي في تفسير الظواهر

كتبها moulay mhamed ismaeli ، في 22 يوليو 2008 الساعة: 15:02 م

في رحيل المسيري: واستئناف دور فلسفي عربي في تفسير الظواهر

عن جدل - أحمد الحمدي

” شُـعَاعْ “:
    ” أَخْشَى مَا أَخْشَاهُ أَنْ تَبْدَأَ الأجْيَالُ القَادِمَةُ مِنْ نُقْطَةِ الصِّفْر!!”.
         المِسِيِرِيِ( رِحْلَتِيَ الفِكْرِيَّة، ص: 11).

نَمَا إليَّ خَبُرُ رَحِيِلِ المُفَكِّرِ المِصْرِيِّ البُرُوفِيِسُوُر عَبْدُ الوَهَابِ المِسِيِرِي فِي مَسَاءِ 3/7/2008م، عَنْ عُمْرٍ يُقَارِعُ السَّبْعِيِنَ عَاَمَاً، بَعْدَ صِرَاعِهِ مَعَ المَرَضِ الذِّي تَغَشَّاهُ مُنْذُ سَنَوَات، -وَالذِّي أَنْتَجَ فِيِهِ أَخْصَبَ أَعْمَالِهِ الَمَعْرِفِيَّةِ- فَكَانَ بِالنِّسْبَةِ لِيِ مُشَكِّلاً لِصَدْمَتَيْنِ: الأُوُلَى: عَامَّة، وَهِيَ رَحِيِلُهُ الذِّيِ عَصَفَ بِمُحِبِيِهِ، وَدَارِسِي نِتَاجِهِ الفِكْرِي وَأَحْزَنَهُمْ، وَأَهَمِّيَةِ الدَّوْرِ الذِّيِ كَانَ يُؤدِيِهِ فِي الوَاقِعِ السِّيَاسِيِّ المِصْرِيِّ خُصُوُصَاً- عَبْرَ عُضْوِيَّتِهِ فِي حِزْبِ الوَسَطِ الإسْلَامِيِّ، وَتَنْسِيِقِهِ العَامْ لِحَرَكَةِ كِفَايَةْ- وَالثَّانِيَة: خَاصَّة: ذَلِكَ أَنِي كُنْتُ حَرِيِصَاً عًلَى إِنْجَازِ مُسَوَّدَةِ المَرْحَلَةِ الأُوُلَى مِنْ مَشْرُوُعٍ مَعْرِفِيٍ خَاصٌ بِالدِّرَاسَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ الأوَّلِيَةِ، وَالسَّعْيُ لِبَلْوَرَةِ أَعْمَالٍ تُسْهِمُ فِيِ  مَنْهَجِيَّةٍ عَرَبِيِةٍ إِسْلَامِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، لِتَحْلِيِلِ الظَّوَاهِرِ، وَالمُصْطَلَحَاتِ المُرَكَّبَةِ. وَالتِّيِ وَافَقَ عَلَيْهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، وَنَوَّهَ إِلَىَ أَهَمِيَّتِِهَا، بَعْدَ إِعْطَاءِهِ التَّصَوُّرَ العَام الشَّفَهِيَّ لَهَا، وَوَصْفِ الخُطُوُطِ العَرِيِضَةِ لِلِمَشْرُوُعِ لَهُ؛ لَكِنَّ سُرْعَةَ القَدَرِ كَانَتْ هِيَ الغَالِبَة! وَالقَدِيِرُ لَهُ فِيِ خَلْقِهِ مَقَادِيِر!.

     قَفَزَتْ إِلَىَ سُوُحِ ذَاكِرَتِي عَطَاءَاتُ أَرْضِ العَطَاءْ، مِصْرْ! وَارْتَسَمَتْ فِيِ مُخَيِّلَتِيِ أَسْمَاءُ العِدِيِدِ مِنَ الرَّاحِلِيِنَ حَدِيَثَاً، مِنَ الَّذِيِنَ عَزَفُوُا يَوْمَاً مَا، أَحْلَىَ الأُّنْغُوُمَاتِ الفِكْرِيَّةِ، عَلَىَ وَتَرِ الوُجُوُدِ الإِّنْسَانِيِّ عُمُوُمَاً، وَالعَرَبِيِّ خُصُوُصَاً؛ إِلَّا أَنَّ اسْمَيْنِ مَا فَتِـئَا يَبْرُزَانِ جَلِيَّاً كَعَلَمَيْنِ كَانَتْ سِمَةُ الصَّنْعَةِ الفَلْسَفِيَّةِ هِيَ أَبْرَزُ مَظَاهِرِ نِتَاجِهِمْ، الأَوَّلْ: فَقَدْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، إِنَّهُ الـ د.عَبْدُ الرَّحْمَنْ بَدَوِي، الشَّخْصِيَّة التِيِ- بِرَأيِ كِثِيِرٍ مِنَ البَاحِثِيِن- هَيْمَنَتْ بِجَدَارَةٍ عَلَىَ الفِكْرِ العَرَبِيِّ الإسْلَامِيِّ فِيِ المُنْتَصَفِ الثَّانِيِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِيِن، وَ صَاحِبِ المَشْرُوُعِ الفِكْرِيِّ وَالفَلْسَفِيِّ الضَّخْم، وَالَّذِيِ لمَْ  يَقْتَصِرْ فِيِهِ عَلَىَ الحَضَارَةِ العَرَبِيَّةِ الإسْلَامِيَّةِ فَحَسْبْ، بَلْ تَجَاوَزَهَا إِلَىَ غَيْرِهَا، الغَرْبِيَّةِ إِجْمَالَاً، واليُوُنَانِيَّةِ تَفْصِيِلاً،- واعْتُبِرَ وَاحِدَاً مِنْ أَهَمِّ دَارِسِيِهَا، وَمُتَرْجِمِيِهَا، فِي عَالَمِنَا العَرَبِيِّ الحَدِيِثِ وَ الُمَعَاصِرْ- تَأْرِيخَاً، وَفُنُوُناً. وَالَّذِيِ قَالَ فِيِ ذِرْوَتِهِ يَوْمَاً مَا:” غَايَةُ المَوْجُوُدِ أَنْ يَجِدَ ذَاتَهُ وَسَطَ الوُجُوُدْ!…وَوُجُوُدُ الإنْسَانْ نَسِيِجٌ مِنَ الوَاقِعِ وَالإمْكَانْ!”أ.هـ(الزَّمَانُ الوُجُوُدِيِّ، صَ:4-5)، وَمِنْ بَعْدِهَا قَالَ:” لِكُلِّ فِكْرٍ مُمْتَازٍ، حَيَاةٌ حَافِلَةٌ فِيِ الضَّمِيِرِ الوَاعِيِ المُتَطَوِّرِ لِلإنْسَانِيَّةِ”أ.هـ.(أَرِسْطُوُ عِنْدَ العَرَبْ، صَ:6).

  وَالثَّانِيِ: هُوَ د.عَبْدُ الوَهَاب المِسِيِرِي، الَّذِيِ وَقَفَ بَيْنَنَا مِثَلَ ” دُوُنْ كِيِخُوُتَهْ ” يُحَارِبُ وَحْدَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفُضْ فُرُوُسِيَّةَ الآخَرِيِنْ! حَيْثُ كَانَ يَغْزِلْ بِنَسِيِجِ مَقُوُلاتِهِ، وَعَبْرَهَا، ثَوْبَهُ الخَاصْ!  فَكَانَ تَوَجُهَهُ تَصَاعُدِيَّاً فِيِ بِنَاءِ صَرْحِهِ الفِكْرِيِّ، مَا يَجْعَلْ بُذُوُرَ “الفَيْلَسُوُفِ المُبْدِعِ” تَبْدُوُ جَلِيَّةً فِيِ تَبَدِّيَاتِ تَطْوِيِرِ “النَّمَاذِجِ التَّفْسِيِرِيَّةِ” وَ”الرُّؤيَةِ التَّرْكِيِبِيَّةِ” لِفَهْمِ العَالمَِ، كُلّ العَالمَ، تَبْدُوُ فِيِ حَالٍ لَوْلَبِيَّةٍ لإدْرَاكِ أَبْعَادِ  الظَّوَاهِرِ الإنْسَانِيَّةِ سَعْيَاً فِيِ “دَفَاعٍ عَنِ الإنْسَانِ” وَمُحَارَبَةٍ لِكُلِّ مُحَاوَلَاتِ “تَفْكِيِكِ الإنْسَانِ” وَتَسْلِيِعِهِ، عَبْرَ” عَلْمَنَتِهِ الشَّامِلَةِ، وَالجُزْئِيَّةِ” وَخِدَاعِهِ عَبْرَ أرْخَنَةِ” اليَّهُوُدِيَّةِ، وَصَهْيَنَتِهَا” بِرُكُوُبِ دِيِبَاجَاتِهَا الأُسْطُوُرِيَّةِ؛ وَالتِّي أَخَذَتْ حَظَّهَا الوَافِرْ مِنْ “رِحْلَتِهِ الفِكْرِيَّةِ” لِأَنَّهَا أَخَذَتْ نَصِيِبَ الأَسَدِ مِنْ هُمُوُمِ إِنْسَانِهِ العَرَبِيِّ وَالإسْلاَمِيِّ المُعَاصِرْ.

    لَمْ تَكُنْ الخَارِطَةُ المَعْرِفِيَّة المِسِيِرِيِة، خَارِطَةً فُوُتُوُغْرَافِيَّة، تَرَىَ الوَاقِعَ فِيِ وَقَائِعِهِ الـمُتَنَاثِرَةِ وَالـمُـتَفَاصِلَةِ، وَلَا تَتَجَاوَزه، وَتَتَخَطَّاهُ، إلَىَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الوَقَائِعِ مِنْ خِلاَلِ لَمِّ شَعَثِ مُحَرِّكَاتِهَا عَبْرَ “نَمَاذِجَ مُجَرَّدَةٍ” عَنْ أَكْوَامِ وَقَائِعِهَاَ بْعْدَ فَرْزِهَاَ، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لِأَنَهُ يَرَىَ فِيِ العَقْلِ قُدْرَةً خَلاَّقَةً وَمُبْدِعَةً فِيِ عَمَلِيَّاتِ الدَّرْكِ، وَالفَرْكِ، وَالإدْرَاكِ، وَلَيَسَ صَفْحَةً بَيْضَاءْ، تُدَحْرَجُ عَلَيْهَا الصُّوَرُ الفُوُتُوُغْرَافِيَّةِ وَتُؤْخَذُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَبْقَىَ العَقْلُ أًرْضَاً بَلْقَعْ!، وَإِنَّمَاَ كَانَ يُنَاضِلُ لِدَحْضِ هَذِهِ العَقْلِيَّةِ” الاخْتِزَالِيَّةِ” — التِّيِ أصْبَحَتْ ظَاهِرَةً فِيِ الأكَادِيِمِيَّاتِ العَرَبِيَّةِ وَالإسْلاَمِيَّةِ عُمُوُمَاً،  وَالتِّيِ يَصِفُهَا بِقَوْلِهِ:” رَمَادِيَّةٌ كَالِحَةٌ هِيَ هَذِهِ الـمَعْرِفَةُ الأكَادِيِمِيَّة، وَذَهَبِيَّةٌ خَضْرَاءْ هِيَ شَجَرَةُ المَعْرِفَةُ الحَيَّةُ المُوُرِقَةْ”أ.هـ(رِحْلَتِيِ الفِكْرِيَّة:صَ:332)، وَحَيْثُ أَدْرَكَ ذَلِكَ امتَدَّتْ اهْتِمَامَاتُهُ إلِىَ الأدَبِ، وَالفُنُوُن، وَكَتَبَ فِيِهَا، وَالقِلِيِلُ يَعْرِفُوُنَ أَنَّهُ نَاقِدْ مِنَ الطِّرَازِ الرَّفِيِعْ لِلنُّصُوُصِ، وَأَدِيِبٌ تَكْشِفُ فِيِ أَعْمَالِهِ مَلاَمِحَ الجَبَرُوُتِ الفِكْرِيِّ، -حَتىَّ إنِ اخْتَلَفْتَ مَعَهُ-، وَعِشْقُهُ لِلْبَرَاءَةِ، وَالطُّفُوُلَةْ.– التِّيِ تَخْتَزِلُ الوَاقِعَ فِيِ وَقَائِعِهِ، وَعَنَاصِرِهِ الأوَّلِيَّةِ، حَيْثُ تَصِلُ فِيِ النِّهَايَةِ إِلَىَ “المَادِيَّةِ المُتَلَقِّيَةِ”الصَّلْبَةِ، وَالبَسِيِطَة،ِ وَالسَّاذَجَةِ، وَالتِّيِ بِدَوْرِهَا تَقْتُلُ فِيِ الإنْسَانِ أعْظَمِ مَصَادِيِقِ وُجُوُدِهِ! وَهِيَ المَسِيِرَةِ نَحْوَ السُّؤالاَتِ الكُبْرَىَ، وَالنِّهَائِيَّةِ، وَالمِصِيِرْ، لإنْسَانِ العَصْرْ!.

    لَحْظَةُ “الانْبِعَاثِ القِيَمِيِّ وَالرُّوُحِيِّ وَالمَعْنَوِيِّ” التِيِ نَفَخَتْ فِيِ عَطَاءِ الحَضَارَةِ العَرَبِيَّةِ وَالإسْلاَمِيَّةِ الأوَّلْ، ظَلَّتْ مِحْوَرِيَّةً وَ”مَرْكَـزِيَّـةً” فِيِ  الفِكِرِ المِسِيِرِيِّ، حَيْثُ إِنَّ صِيَاغَةَ العَقْلِ وَالرُّؤيَةِ وَالتَّصَوُّرِ لإِنْسَانِ هِذِهِ الحَضَارَة، شَكَّلَتْ رُؤيَتَهُ لِلْحَيَاةِ، وَالعَالَمْ. هَذِهِ الرُّؤية التِّيِ تُحَاوِلُ احْتِكَارَهَا كُلُّ الاحْتِكَارِيَّاتِ الشُّوُفِيِنِيَّةِ، وَالاسْتِبْدَادِيَّةِ، تَتَطَلَّبُ جُهْدَاً مُضَاعَفَاً لِفَهْمِ -  الحَالَةِ الصَّهْيُوُنِيِّةِ إِحْدَىَ بُؤرِ أَزْمَةِ العَصْر- “الصِّرَاعِ العَرَبِيِّ الإسْرَائِيِلِيِّ” وَإِدْرَاكِ أَبْعَادِهِ فِيِ:” الخِطَابِ وَالمُصْطَلَحِ الصِّهْيُوُنِيِّ” وَالبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ حَرَكَةِ وُجُوُدِ إنْسَانِ” الجَمَاعَاتِ الوَظِيِفِيَّةِ اليَهُوُدِيَّةِ” فِيِ أوُرُبَّا وَالغَرْبِ عُمُوُمَاً، وَاسْتِكْنَاهِ أسْبَابِ الوَحْشِيَّةِ وَالعُنْصُرِيَّةِ فِيِ”عُنْفِ الصِّهْيُوُنِيَّةِ” وَالبَحْثِ عَنْ “ماَهِيَّةِ اليَهُوُدِيِّ” المَوْضُوُعِ وَالمَحْمُوُلِ فِيِ آَنٍ مَعَاً. وَالتَّفْتِيِشِ عَنِ :”إيِدِيُوُلُوُجِيَّاتِهِ المَعْرِفِيَّةِ” وَكَشْفِ:” أكَاذِيِبِهِ الصِّهْيُوُنِيَّةِ”؛ وَالتيِ مِنْ ظِلاَلِهَا البَحْثُ عَنْ صِحّةِ نِسْبَةِ:” بُرُوُتُوُكُوُلاَتِهِ”مِنْ عَدَمِهَا؛  إضَافَةً إِلَىَ اسْتِنْطَاقِ رَوَافِدِ الحَضَارَةِ المُنْتِجَةِ لهَِذَاَ الشَّكْلِ التَّصْفَوِّيِّ الشَّرِسِ  فِيِ:”حَدَاثَتِهَاَ، وَمَا بَعْدَ حَدَاثَتِهَِا”الغَرْبِّيَةِ.

        فِيِ الوَجْهِ المُقَابِلِ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَسَبَابَ صُمُوُدِ إنْسَانِ”الانْتِفَاضَةِ إلَىَ حَرْبِ التَّحْرِيِرِ الفِلِسْطِيِنِيَّةِ” لِنَرَىَ مِنْ خِلاَلِهِ أنَّنَاَ أَمَامَ ظَاهِرَةٍ أكْبَرْ - فِيِ إطَارِهَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْهَمَ سِرَّ النَّفَسِ الطَّوِيِلِ لِصَاحِبِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ-، هِيَ ظَاهِرَةُ الجِيُوُبِ الاسْتِيِطَانِيَّةِ الاحْلاَلِيَّةِ فِيِ كُلِّ مُسْتَعْمَرَاتِ العَالََمِ القَدِيِمِ، وَالحَدِيِثْ، التِيِ لَمْ ، وَلَنْ تُفْلِحَ فِيِ البَقَاءِ، إِلاَّ بِإِبَادَةِ البَشَرِ وَالخَضْرَاء!. وَهُوَ مَا يَضْمَنُ لهَاَ البَقَاءُ الأطْوَلْ؛ أَمَّا ضَمَانُ بَقَاءِ الكِيَانِ الصِّهْيُوُنِيِّ الطَّوِيِلِ الآنَ، فَإِنَّنَا لِكَيْ نَفْهَمَهُ يَنْبَغِيِ إدْرَاجُهُ فِيِ مَقُوُلَةٍ أوْسَعْ، حَتَّىَ لاَ نَسْقُطْ عِنْدَ تَحْلِيِلِهَا فِيِ:” إشْكَالِيَّةِ التَّحَيُّزِ المَفْهُوُمِيِّ”، لِتَكُوُنَ ذَاتَ مَقْدِرَةٍ تَفْسِيِرِيَّةٍ أعْلَىَ، وَذَلِكَ بِوَضْعِهِ فِيِ إطَارِ القُطْبِ الأكْبَرِ فِيِ عَالمَِ اليَوْمْ، بَعَدَ سُقُوُطِ الاتِّحَادِ السُّوُفيتيِّ، حَيْثُ يُمَثِّلُ هَذَا الجَيْبُ صَمَّامَ أمَانْ، وَمُشْكِلَةً أُوُرُبِيِّةً صَرْفَةْ، وَقَنْطَرَةً أمْرِيِكِيِةً، لِعُمْرَانِ الأرْضِ بِاليَبَابِ، وَوُجْدَانِ الشَّرْقِ بِالخَرَابْ!.

      إنَّ التُّرَاثَ المِسِيِرِيَّ لاَ يَقْوَىَ عَلَيْهِ مَنْ أَلِفُوُا الكِتَابَةَ الإنْشَائِيَّةَ، وَالصِّنَاعَةَ الخِطَابِيَّة، وَإنَّمَا هُوَ نِتَاجٌ ثـَرٌ، يَفْتَحُ أَسْئِلَةً أكْثَرَ مِمَّا يُقَدِّمُ أجْوِبَةً، وَمَعْلُوُمَاتٍ مُعَلَّبَةٍ، قَابِلَةٍ لِلسَّرْدِ الجَدْوَلِيِّ، وَالاسْتِقْصَاءِ  الاسْتِبْيَانِيِ. ذَلِكَ أَنَ حُقُوُلاً دِلاَلِيَّةًكَثِيِرَةً يَجِدُهَاَ قَارِئَهُ مُتَدَاخِلَةً، وَمُرَكَّبَةً مَعَ بَعْضِهَا البَعْضْ، تُطَارِدُ نَمُوُذَجَاً فِيِ تَشَكُّلاََتِهِ وَمُخَاتَلاَتِهِ غَيْرِ القَابِلَةِ لِلْخُضُوُعِ تَحْتَ وَطْأةِ عُلُوُمِ الطَّبِيِعَةِ، وَتَكْنُوُلُوُجيَا المَعْلُوُمَات؛ سَيَجِدُ القَارِئُ نَفْسَهُ أَنَّهُ أَمَامَ عَمَلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُصَنَّفَ فِيِ: “عِلْمِ النَّفْسِ الاجْتِمَاعِيِّ الفَلْسَفِيِّ”وَ”عِلْمِ اجْتِمَاعِ المَعْرِفَةِ – اسْتِفَادَةً مِنْ مُحَاوَلاَتِ مَاكسْ فِيِبر-وَ”رُؤيَةٌ فَلْسَفِيَةٌ إسْلاَمِيَّةٌ تَمْخَرُ عُبَابَ الوُجْدَانِ وَالفُرْقَانِ الغَرْبِيِّ”- تَأثُرَاً  بِعَبْقَرِيَّةِ عَلِيِ عِزَّتْ بِيِجُوُفِيِتْشْ- وَ” انْثُرُوُبُوُلُوجيَا ثَقَافِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ” وَ”جِيُوُبُلُوُتِيِكْ/جُغْرَافْيَا سِيَاسِيَّة”- تَأثُّرَاً بِضَلاَعَةِ جَمَالْ حَمْدَان- وَ” أنْطُوُلُوُجيَا تَارِيِخْ فَلْسَفَةِ الفِكْرِ اليُوُنَانِيِّ، مَا قَبْلَ سُقْرَاطْ، وَمَا بَعْدَهُ”- بَحْثَاً عَنْ تَحَوُّلاَتِ الفِكْرِ الإنْسَانِيِّ وَمُنْجَزَاتِهِ الَّتِيِ يُمْكِنُنَا الإفَادَةُ مِنْهَا فِيِ التَّأْسِيِسِ لِـ” حَدَاثَةٍ إسْلاَمِيَّةٍ إنْسَانِيِّةٍ” جَامِعَةْ-، لِذَا أَدْرَكَ هُوَ هَذَاَ العِبءْ، وَضَرُوُرَةِ السَّيْرُوُرَةِ نَحْوَ فَهْمٍ أكْثَرَ قُدْرَةً عَلَىَ التَّفْسِيِرِ الصَّائِبْ وَهُوَ مَا تَتَوَخَّاهُ النَّسَقِيَّةُّ الفَلْسَفِيَّة، مِنْ خِلاَلِ التَّذْلِيِلِ الكِتَابِيِّ لِلشَّبَابِ الطَّمُوُحِ فِيِ المَعْرِفَةِ، وَالأجْيَالِ الصَّاعِدَةِ، مَا حَدَا بِهِ لِوَصْفِ كَيْفِيَّةِ تَكْوِيِنِ الفُهُوُمِ، وَالتَّعَامُلِ الحَيِّ مَعَ العُلُوُمْ، بِشَجَاعَةِ عُنْفُوَانِ الفِكْرِ النَّاقِدِ لِنَفْسِهِ، فِيِ “رِحْلَتِهِ الفِكْرِيَّة من البذور إلى الجذور إلى الثمار” — إلاَّ أَنَّ هَذَا العَمَلْ الُمفِيِدْ، يَحْتَاجُ إلَىَ تَوْصِيِفٍ مُخْتَصَرٍ بَألْطَفِ عِبَارَةٍ، وَأكْثَرِ كَثَافَة، تَذْلِيِلاً إيَّاهُ لِلمُبْتَدِيِ فِيِ قِرَاءَةِ المِسِيِرِي، وَتَقْرِيَبَاً لِمُحَاوَلاَتِه،ِ بِمَا يُسْهِمُ فِيِ يَقَظَةِ الفِكْرِ الُمعَاصِر؛  وَهُوَ مَا نَنْوِيِ القِيَامَ بِهِ فِيِ:” الغُصْنِ الأخْضَرْ: المَدْخَلْ إلَىَ إشْكَالاَتِ إنْسَانِ العَصْر:ِالِمِسِيِرِي مُتَسَائِلاً عَنِ وُجُوُدِنَا؛ ضِمْنِ مِحْوَرِ:” يَنَابِيِعٌ بَيْنَ يَدَيْك!: مِنْ سِلسلة: فِقْهِ الفِكْرْ “، كَجُزْءٍ مِنَ الدَّوْرِ التَّدْوِيِلِي، لِثَقَافَةِ تَوَاصُلِ الأجْيَالْ — حَيْثُ يُشِيِرُ إلَىَ صَرَامَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ مَفَادُهَا قَوْلُهُ:(ص:313،419،537،577):إنَّ” تَزَايُدَ المَعْلُوُمَاتِ لاَ يُؤدِّيِ بِالضَّرُوُرَةِ إلَىَ زِيَادَةِ المَعْرِفَةِ،  وَالحِكْمَةْ!-وَإنَّمَا- العَقْلُ الإنْسَانِيُّ الوَاعِيِ، وَ الخَلاَّقْ، هُوَ الذِيِ يَحْتَوِيِ الوَاقِع، وَالأشْيَاء، وَيَتَخَطَاهُمَا!…وَمَا يُهِمْ لَيَسَ كَمُّ الـحَـَقائِقِ الذِيِ يُحْشَدْ، وَإنَّمَا طَرِيِقَةُ النَّظَرِ فِيِهَا، وَتَحْلِيِلِهَا!… وَالشَّرْطُ الأوَّلُ لِهَزِيِمَةِ العَدُوِّ، هُوَ أنْ تـَعْرِفَهُ حَقَّ الـمَعْرِفَةْ !!”أ.هـ.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “في رحيل المسيري: واستئناف دور فلسفي عربي في تفسير الظواهر”

  1. سلامات

    اشكرك اخي وعزيزي على اضافتك لهذه المقالة الجميلة في حق اعمال المسيري..

    دمت مبتسما ومتالقا

    نوري سلامه

    اغادير

  2. سلام تام أخي محمد

    صراحة الموت شبح لابد منه ولا سبيل للتهرب منه.

    لكن عندما يموت أعز إنسان أو عندما يموت مفكر يترك القلب يدمي من شدة الألم. لأنه وصل بعقله إلى ما وصل إليه وترك بصمات لا تنسى في قلوب الآخرين.

    الانسان في هذا العصر بالخصوص بامكانه أن يتحدى العالم بعقله فقط أو سمعته ان تركها الأخرون ليتمتع بها.

    رحم الله الأستاذ عبد الوهاب المسيري

    إنك اطلة الغياب أخي محمد ونحن ما نزال ننتظر زيارتك القريبة لنا

    دامت لك الأفراح والمسرات.

  3. salam..merci pour ton meilleur blog ..

  4. الأمة ودعت عبد الوهاب المسيري المفكر صاحب المتناقضات

    نادرا ما تجد فردا لا يعرف هذا الاسم فالباحث في الأدب الإنجليزي لابد أن يقرأ بعض مؤلفاته أو على الأقل دكتورته في هذ الأدب لأنه تخصصه، ومن كان مجال اشتغاله هو فلسطين واليهود والصهيونية لاشك قرأ له الكثير أو القليل من كتاباته في هذا الميدان لكونه بكل بساطة صاحب أضخم وأكبر موسوعة في موضوع اليهود واليهودية ـ ثمان مجلدات أفنى في سبيلها 25 سنة من عمره ـ و المهتم بالدراسات التركيبية والتحليلية والبنيات المجتمعية وعلاقة الغرب ببقية العالم لا ضير اطلع على بعض مؤلفاته المتسمة بالدقة والروعة في الدراسة و التحليل والتركيب .أما الأطفال الصغار فكثيرا ما أمتعتهم قصص الجمل “ظريف”هذا الحيوان الذي انفرد بإدخاله إلى القصة العربية والديك “حسن” وأصدقاؤهما التي ألفها. هذا كله والمصريون يعرفونه أكثر من خلال توليه لمنصب المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة ب “حركة كفايا” ضد النظام المصري.

    على هذا الأسس نلقى صعوبة وإشكالا كبيرا في تصنيف هذا الهرم الفكري في إحدى التيارات أو التوجهات الفكرية في العالم العربي إلا أن نعرفه بالمفكر العربي الإسلامي الكبير، دون زيادة أي قرينة أخرى فالمفكر معروف بسياسة الاحتواء والتجاوز الرائعة التي ينتهجها تجاه التيارات الفكرية والتي بواسطتها يستطيع استيعاب خطاب الكل مولدا في الوقت نفسه خطابه الخاص الذي يرتاح له الآخرون مهما كانت توجهاتهم إسلامية أو قومية أو علمانية بل يكاد كل مفكر يجد ذاته فيه لما يتسم به من منهجية وتحليل وتركيب متناسقين .

    هذا الرجل الذي نزل نبأ وفاته صباح الخميس الأول من شهر يوليوز بمستشفى فلسطين بالعاصمة المصرية القاهرة على كل من يعرفه في أي مجال من المجالات السالفة الذكر كالصاعقة إن لم يكن أكثر، فقد فقدوا فيه رجلا قل نظيره في عالم الفكر كرس عمره للجهاد الثقافي منصبا نفسه محاميا عن القضية الفلسطينية ومدافعا عنها في وجه المشروع الصهيوني. وافته المنية عن عمر يناهز السبعين سنة (1938 ـ 2008) للخزانة العربية بالخصوص والعالمية مؤلفات ودراسات إن لم نذكر منها غير الموسوعة التي منحها ربع قرن من عمره إضافة إلى جل ماله لكفاه فخرا وشرفا بيد أنه أكثر من ذلك أثرى رفوف الخزانة العربية بإبداعات أخرى، فعموما صاحبنا من أبرز مزوديها إذ لا تمضي سنة دون أن يخلف مؤلفا أو دراسة.

    قبل الحديث عن التناقضات التي ألفيناها لدى هذا المفكر لا بد أن نعرج على بعض مميزات فكر هذا الرجل التي منها نقده الشديد لاستخدام المفاهيم دون التنبه لحمولتها مما دفعه إلى إبداع وابتكار مفاهيم خاصة به كالجماعات الوظيفة، الحوسلة، التشيئية… كما اشتهر هذا الرجل بتفكيكيته الواسعة في إطار المراجعة النقدية الجذرية للتفكيكية فقد وصفه أحد الكتاب بالمفكر الذي يفكر تفكيكيا في عملية تفكيك التفكيكية نفسها. أما موضوع التحيز فقد لا نجانب الصواب إن قلنا أنه إلى حدود الآن هو الوحيد عربيا الذي تفرد في الكتابة في هذا الموضوع بأكاديمية وموضوعية بحتة. إلا أن الملفت في شخص هذا الأستاذ هو الجرأة الفكرية والصراحة في النقد والنقد الذاتي. الأمر الذي كشف عنه في سيرته الذاتية حيث لم يرتهن للإيديولوجية اليسارية كما أن تبنيه التوجه الإسلامي لم يصيره داعية حيث حافظ على دوره كمفكر وباحث ذو رؤية.

    أما عن العنوان أي “التناقضات” فنحن لا نطرحه كإشكال في كتاباته بل يصعب الحديث عن هذا الأمر في المجال الفكري والإبداعي لهذا العملاق، وإنما مكمن التناقض في نظرنا هو الحياة الشخصية لهذا المفكر. فمؤلفاته تعد بالعشرات إن لم نقل المئات بدءا بالأدب الإنجليزي فقصص الأطفال مرورا بالدراسات التحليلية التركيبية ووصولا إلى اليهود والصهيونية، أي أن له زخم وإنتاج كثير أي فهو غني من هذه الناحية في مقابل فقر من الناحية المادية (المال) وخير مثال هو ما لقيه هذا الرجل من معاناة مع المرض لدرجة أنه لم يجد المبلغ الكافي للسفر والعلاج في أمريكا التي رحل إليها في 26 من شهر ماي من العام الماضي. وهذا أولى المفارقات التي توقفنا عندها في حياة هذا الإنسان، حيث نجد الغنى الفكري والإنتاجي مقابل الفقر والمادي و المالي.

    أما المظهر الآخر للتناقض في حياته فنقف عنده من خلال كتابته لسيرته الذاتية بعنوان “”رحلتي الفكرية : من البدور إلى الجدور إلى الثمار”" والتي انتظر الكل أن يطلعنا فيها على تفاصيل وجزئيات حياته الخاصة ، غير أن هذا العقل الفذ فاجئ كل من قرأها بسيرة ذاتية فكرية أكد بها الرجل أن حياته كلها ملازمة لعالم الأفكار غير مفارقة له من جهة ومن جهة أخرى نجد يكتب سيرة قرائه أكثر مما يكتب سيرة نفسه ففي كثير من الأحيان يجد القارئ نفسه مكان المسيري في غير ما موضع في السيرة إنه يكتب سيرة أمة لا سيرته.

    أدركت المنية هذا الرجل الذي لا يعرف السكون قبل أن ينهي موسوعة جديدة عنوانها (الصهيونية وإسرائيل) يتناول فيها إسرائيل من الداخل بعد أن عالجت موسوعته الأولى الأفكار النظرية التي خرجت منها (الظاهرة الصهيونية) على حد وصفه. كما أنه بدأ في التنظير لعمل جديد أطلق عليه ” الإسلامية الإنسانية” قال في معرض الحديث عن خطوطه العريضة أنه دراسة وتحليل لبعض النماذج و الشخصيات التي عرفها العالم برؤية إسلامية إنسانية.

    لقد رحل هذا العملاق في مطلع هذا الشهر خاتماً بذلك مسيرة طويلة من التحولات والانتقالات المعرفية التي تعكس شخصية كانت حتى وفاته لا تقر بالسكون والاستسلام، فقلمه لم يجف، وروحه لم تستلم لمرض ظل يقاومه حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وجسده لم يرتح يوماً من التجوال والترحال. لقد كان الدكتور عبد الوهاب المسيري أستاذاً للسياسة كعلم وممارساً لها كمناضل، مما عبَد الطريق أمام ثلة من الشباب للتفكير خارج نطاق إطار إيديولوجية التنظيم. فهل يمكن اعتباره طريقاً جديداً في التفكير أم هو تنويع وتغيير في الثوب فقط بينما بقي المضمون واحد؟.

    محمد طيفوري أكادير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

يا بني إقرأ القرآن كأنه أنزل عليك



للتواصل معي  

mysmaeli@gmail.com